ابن العربي
342
أحكام القرآن
وأما تقديم الدّين فلأنّ ذمّته مرتهنة بدينه ، وفرض الدّين أولى من فعل الخير الذي يتقرّب به . فأما تقديم الصدقة على الميراث في بعض المال ففيه مصلحة شرعية وإيالة دينية ؛ لأنه لو منع جميعه لفاته باب من البرّ عظيم ، ولو سلّط عليه لما أبقى لورثته بالصدقة منه شيئا لأكثر الوارثين أو بعضهم ؛ فقسّم اللّه سبحانه بحكمته المال وأعطى الخلق ثلث أموالهم في آخر أعمارهم ، وأبقى سائر المال للورثة ، كما قال عليه السلام « 1 » : إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكفّفون الناس . مع « 2 » أنه كلالة منه بعيد عنه . وأراد بقوله : « خير » هاهنا وجوها معظمها أنّ ذلك سبب إلى ذكره بالجميل ، وإحياء ذكره هو إحدى الحياتين ، ومعنى مقصود عند العقلاء ، وقد أثنى اللّه سبحانه على الأنبياء في طريقه فقال « 3 » : وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ، وأخبر عن رغبته فيه فقال « 4 » : وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ . وإذا كان ورثته أغنياء عظم قدرهم ، وشرف ذكرهم في الطاعة وذكره . وقد ذكر اللّه تعالى الأوجه الثلاثة وترك الأوّل ؛ لأنه ليس بمتروك ، وإنما يكون متروكا ما فضل عن حاجته ومصلحته ؛ ولما جعل اللّه في القسم الثالث الوصية مشروعة مسوّغة له ، وكلها إلى نظره لنفسه في أعيان الموصى لهم ، وبمقدار ما يصلح لهم . وقد كانت قبل ذلك مفروضة للوالدين والأقربين غير مقدّرة ثم نسخ ذلك ، فروى أبو داود والترمذي أنّ النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : إنّ اللّه أعطى لكلّ ذي حقّ حقّه ؛ لا وصية لوارث . وقد روى [ 119 ] البخاري عن خبّاب قال : هاجرنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وذكر الحديث ، ثم قال : ومنهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد ، فلم نجد له ما نكفّنه فيه إلّا نمرة « 5 » كنّا إذا غطّينا بها رأسه بدت رجلاه ، وإذا غطّينا بها رجليه بدا رأسه . فقال النبي صلّى
--> ( 1 ) صحيح مسلم : 1250 ( 2 ) في ا : من . ( 3 ) سورة الصافات ، آية 78 ( 4 ) سورة الشعراء ، آية 84 ( 5 ) النمرة : الشملة فيها خطوط بيض وسود ، أو بردة من صوف يلبسها الأعراب ( القاموس ) .